languageFrançais

عودة الصوت الذي لا يشيخ: ليز ماكومب تشعل مسرح البحر بطبرقة من جديد

بعد ثلاثة عشر عاما من الغياب، تعود ليز ماكومب إلى المكان الذي يعرف كيف يحتفظ بالصدى الجميل، إلى مسرح البحر في مدينة طبرقة، حيث يلتقي الجاز بنسيم الجبل ورائحة المتوسط، وتتحول الموسيقى إلى ذاكرة حيّة لا تمحى.

ولم تكن عودة نجمة الجاز والبلوز الأمريكية مجرد محطة فنية عابرة، بل لحظة استثنائية أعادت تعريف العلاقة بين الفنان والجمهور، وبين الصوت والمكان، هناك، حيث يختلط البحر بالضوء، حضرت ليز ماكومب كأنها تعود إلى بيت قديم تحفظ تفاصيله جيدا، وتعرف كيف توقظ فيه الدفء من جديد. ينفجر صوتها فجأة في الفضاء قبل أن يكتمل صمت الليل كقوة موسيقية تقتحم العتمة برهافة آسرة، ينساب فوق الصخور الممتدة على شاطئ طبرقة، ويصعد مع النسيم القادم من الجبل، ثم يستقر بين المدرّجات كأنه وجد مكانه الطبيعي منذ البداية.

 

وبينما يتسع الصوت في المكان، يسار الجمهور إلى الانسياب نحو المدرجات: وجوه تخرج من العتمة، خطوات تتسارع ثم تهدأ، وعيون تبحث عن مصدر هذا النداء الموسيقي الذي لا يشبه إلا نفسه. الحضور لا يأتي متأخرا، بل كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ البداية. وتنسج ماكومب بصوتها الذي يجمع بين قوة الغوسبل ونعومة البلوز وحرية الجاز، أمسية أقرب إلى رحلة روحية منها إلى حفل موسيقي تقليدي. فلم تحتج إلى مبالغة في الأداء؛ كان حضورها كافيا ليملأ الفضاء، ويقود الجمهور بين طبقات من الإحساس تتأرجح بين التأمل والفرح والوجد.

وبدا المشهد على الركح المطل على البحر، كأن طبرقة نفسها تشارك في العرض: البرج العتيق يقف شاهدا، والأمواج تضرب الإيقاع الخفي، والسماء تنفتح على صوت لا يشبه إلا نفسه. وفي كل مقطع، كانت الموسيقى تتجاوز حدود الأغنية لتتحول إلى حالة وجدانية كاملة، تتداخل فيها الطبيعة مع الفن دون فاصل.

 

ماكومب لم تغنّ فقط؛ بل تحركت بخفة وصدق، جلست خلف البيانو في لحظات، ثم عادت لتواجه الجمهور بصوتها الذي ما زال يحتفظ بحرارته الأولى رغم سنوات الغياب. وبين مقطع وآخر، كان التفاعل يتصاعد تدريجيا، كأن الجمهور لا يستمع فقط، بل يشارك في صناعة اللحظة نفسها.

ولعل اللحظة الأكثر إنسانية كانت حين نزلت من الركح واقتربت من الجمهور، لتغني وسطهم بلا حواجز، لتتلاشى المسافة بين الفنان والمتلقي، ويصبح الجميع جزءا من لحن واحد كبير يتنفسه المكان. فكانت أغانيها في تلك الليلة احتفاء واضحا بقيم الحب والحرية والسلام، وهي القيم التي لطالما شكّلت جوهر مسيرتها الفنية.

ولم تكن كلمات ليز ماكومب مجرد أداء، بل رسائل صادقة حملتها إلى جمهور طبرقة الذي قابلها بحفاوة ودفء استثنائيين، وكأن المدينة بأكملها كانت تنتظر هذا اللقاء منذ زمن. فلم تكن عودة ليز ماكومب إلى طبرقة مجرد حفل، بل لحظة موسيقية معلّقة بين البحر والذاكرة، بين الغياب واللقاء، بين صوت لا يشيخ ومكان يعرف جيدا كيف يصغي.

الواثق بالله شاكير